الرفض الاجتماعي في المدرسة والتدخلات النظامية
د. محمود صبحي سعيد
مقدمة
تُعدّ المدرسة إحدى أهم البيئات التي تتشكل فيها عملية
النمو الاجتماعي والانفعالي لدى الأطفال والمراهقين، حيث تتطور فيها أنماط
الانتماء، والعلاقات بين الأقران، وتتشكل مفاهيم تقدير الذات والمهارات الاجتماعية (Rubin, Bukowski, & Parker, 2006) لذلك فإن الرفض
الاجتماعي داخل المدرسة لا يُعتبر حدثًا عابرًا أو هامشيًا، بل خبرة قد يكون لها
تأثيرات عميقة على النمو النفسي للطفل
(Ladd, 2006) .
يظهر الرفض الاجتماعي في السياق المدرسي عندما لا يتم
قبول بعض التلاميذ ضمن مجموعة الأقران، أو يتم استبعادهم من التفاعلات الاجتماعية،
أو يتعرضون للتجاهل أو السخرية أو الإقصاء. وقد يكون هذا الرفض مباشرًا وواضحًا،
أو غير مباشر وسلوكا خفيًا
(Coie, Dodge, & Kupersmidt, 1990).
وتزداد أهمية هذه الخبرة خلال مرحلة الطفولة والمراهقة،
حيث تصبح الحاجة إلى الانتماء الاجتماعي من الحاجات النفسية الأساسية في بناء
الهوية وتقدير الذات
(Baumeister & Leary, 1995).
ديناميكيات الرفض الاجتماعي داخل الصف
لا تمثل الصفوف الدراسية بيئة تعليمية فقط، بل نظامًا
اجتماعيًا معقدًا تتشكل فيه هياكل غير رسمية للمكانة الاجتماعية بين التلاميذ.
يتمتع بعض الطلاب داخل هذا النظام، بمكانة اجتماعية مرتفعة، بينما يُستبعد آخرون
إلى الهامش الاجتماعي
(Rubin
et al., 2006).
وقد يتجلى الرفض الاجتماعي في صور متعددة، مثل العزل
الاجتماعي أو السخرية أو التجاهل، إضافة إلى أشكال غير مباشرة كعدم دعوة الطالب
للأنشطة الجماعية أو تقليل التفاعل معه. وفي مرحلة المراهقة، يصبح هذا الرفض أكثر
تأثيرًا لأنه يرتبط بشكل مباشر بتكوين الهوية وتقدير الذات (Parker & Asher, 1987).
الآثار النفسية والتربوية
لا يقتصر تأثير الرفض الاجتماعي على اللحظة الاجتماعية
نفسها، بل يمتد ليشمل أبعادًا نفسية وسلوكية وأكاديمية. فعلى المستوى الانفعالي،
قد يؤدي الرفض إلى الشعور بالحزن، والوحدة، والخجل، وانخفاض تقدير الذات، وقد
يساهم على المدى الطويل في تطور أعراض القلق الاجتماعي والاكتئاب (Gazelle & Ladd, 2003; Sentse et al.,
2010).
أما على المستوى السلوكي، فقد يظهر لدى الأطفال
المنبوذين انسحاب اجتماعي أو تجنب للتفاعلات، أو في بعض الحالات سلوكيات عدوانية
كرد فعل على خبرة الرفض
(Boivin, Hymel, & Bukowski, 1995).
وعلى المستوى الأكاديمي، يؤثر الرفض الاجتماعي على
الدافعية للتعلم، والمشاركة الصفية، والانخراط في الأنشطة الجماعية، مما قد ينعكس
سلبًا على التحصيل الدراسي
(Ladd,
2006).
العوامل المؤثرة في الرفض الاجتماعي
لا ينشأ الرفض الاجتماعي من عامل واحد، بل نتيجة تفاعل
عوامل فردية وبيئية وأسرية. فعلى المستوى الفردي، تزيد احتمالية التعرض للرفض لدى
الأطفال الذين يعانون من ضعف المهارات الاجتماعية أو تدني تقدير الذات أو القلق
الاجتماعي (Rubin & Coplan, 2010).
أما على المستوى البيئي، فإن مناخ الصف والمدرسة يلعب
دورًا حاسمًا. فالأوساط التي تسودها المنافسة المفرطة أو السخرية أو ضعف الاحتواء
تزيد من احتمالية الإقصاء الاجتماعي
(Cohen, McCabe, Michelli,
& Pickeral, 2009). ،
كما أن غياب
التدخل التربوي يعزز استمرار هذه الأنماط.
وعلى المستوى الأوسع، تشير الدراسات إلى أن المناخ
المدرسي الإيجابي يعزز الشعور بالانتماء ويقلل من سلوكيات الرفض والإقصاء (Wang & Degol, 2016).
التدخلات النظامية في المدرسة
تتطلب مواجهة الرفض الاجتماعي مقاربة نظامية شاملة، وليس
فقط تدخلًا فرديًا. إذ تشير الأدبيات الحديثة إلى أهمية التعلم الاجتماعي والعاطفي (Social and Emotional Learning – SEL) كنهج شامل لتعزيز
المهارات الاجتماعية والانفعالية لدى الطلاب (Durlak et al., 2011).
وتشمل التدخلات النظامية بناء ثقافة مدرسية قائمة على
التعاطف، والقبول، والتعاون، وقد أثبتت الأبحاث أن تحسين المناخ المدرسي يؤدي إلى
تقليل مستويات الرفض الاجتماعي وتحسين التكيف النفسي (Cohen et al., 2009).
كما أن برامج SEL
تسهم في تحسين
المهارات الاجتماعية، وتقليل المشكلات السلوكية، وتعزيز الشعور بالانتماء داخل
المدرسة
(Greenberg, Domitrovich, Weissberg, & Durlak, 2017; CASEL, 2020).
وفي الحالات التي يُحدد فيها طلاب معرضون لخطر الرفض
الاجتماعي، يتم تقديم تدخلات موجّهة تشمل تدريب المهارات الاجتماعية، وتعزيز الثقة
بالنفس، وتوفير بيئات آمنة للتفاعل الاجتماعي (Bierman, 2004).
دور الطاقم التربوي
يلعب المعلمون والمرشدون التربويون دورًا محوريًا في
اكتشاف حالات الرفض الاجتماعي مبكرًا، حيث يمكنهم ملاحظة التغيرات في المشاركة
الاجتماعية أو الانسحاب أو العزلة
(Ladd, 2006).
كما يمتد دورهم إلى تشكيل المناخ الاجتماعي داخل الصف من
خلال تعزيز قيم الاحترام، والاندماج، ومنع الإقصاء (Cohen et al., 2009) وعلى المستوى المؤسسي، تحتاج المدارس إلى سياسات واضحة
للتعامل مع الرفض الاجتماعي، مع إشراك مختصين في الصحة النفسية عند الحاجة.
يُعد الرفض الاجتماعي في المدرسة ظاهرة معقدة تؤثر بشكل
واسع على النمو النفسي والاجتماعي والأكاديمي للطلاب. وتشير الأدبيات إلى أنه عامل
خطر مهم لاضطرابات نفسية مثل القلق الاجتماعي والاكتئاب (Rubin et al., 2006; Sentse et al., 2010).
وتؤكد الدراسات أن التدخل الفعال يتطلب مقاربة نظامية
شاملة تجمع بين تحسين المناخ المدرسي، وتنمية المهارات الاجتماعية، والتدخل المبكر
للأفراد المعرضين للخطر
(Durlak et al., 2011; Greenberg et al., 2017).
المراجع - References
1. Baumeister, R. F., & Leary, M. R. (1995). The need to belong: Desire for interpersonal
attachments as a fundamental human motivation. Psychological Bulletin, 117(3),
497–529. https://doi.org/10.1037/0033-2909.117.3.497
2. Bierman, K. L. (2004). Peer
rejection: Developmental processes and intervention strategies. Guilford
Press.
3. Boivin, M., Hymel, S., & Bukowski,
W. M. (1995). The roles of social withdrawal, peer rejection, and
victimization. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 36(2),
225–246. https://doi.org/10.1111/j.1469-7610.1995.tb01822.x
4. CASEL. (2020). Collaborative for
Academic, Social, and Emotional Learning (CASEL) framework. https://casel.org
5. Cohen, J., McCabe, L., Michelli, N.
M., & Pickeral, T. (2009). School climate: Research, policy, practice, and
teacher education. Teachers College Record, 111(1), 180–213. https://www.tcrecord.org
6. Coie, J. D., Dodge, K. A., &
Kupersmidt, J. B. (1990). Peer group behavior and social status. In S. R. Asher
& J. D. Coie (Eds.), Peer rejection in childhood (pp. 17–59).
Cambridge University Press.
7. Durlak, J. A., Weissberg, R. P.,
Dymnicki, A. B., Taylor, R. D., & Schellinger, K. B. (2011). The impact of
enhancing students’ social and emotional learning: A meta-analysis. Child
Development, 82(1), 405–432. https://doi.org/10.1111/j.1467-8624.2010.01564.x
8. Gazelle, H., & Ladd, G. W. (2003). Anxious
solitude and peer exclusion. Child Development, 74(1), 257–278. https://doi.org/10.1111/1467-8624.00534
9. Greenberg, M. T., Domitrovich, C. E.,
Weissberg, R. P., & Durlak, J. A. (2017). Social and emotional learning
as a public health approach: The case for SEL. Guilford Press.
10.Ladd, G. W. (2006). Peer rejection,
aggressive or withdrawn behavior, and psychological maladjustment from early to
late childhood. Child Development, 77(4), 1021–1038. https://doi.org/10.1111/j.1467-8624.2006.00939.x
11.Parker, J. G., & Asher, S. R.
(1987). Peer relations and later personal adjustment: Are low-accepted children
at risk? Psychological Bulletin, 102(3), 357–389. https://doi.org/10.1037/0033-2909.102.3.357
12.Rubin, K. H., Bukowski, W. M., &
Parker, J. G. (2006). Peer interactions, relationships, and groups. In Handbook
of child psychology (Vol. 3). Wiley.
13.Rubin, K. H., & Coplan, R. J.
(2010). The development of shyness and social withdrawal. Guilford
Press.
14.Sentse,
M., Lindenberg, S., Omvlee, A., Ormel, J., & Veenstra, R. (2010). Rejection
and depression in adolescence. Journal of Abnormal Child Psychology, 38,
245–255. https://doi.org/10.1007/s10802-009-9360-7
15.Wang, M. T., & Degol, J. L.
(2016). School climate: A review of the construct. Educational Psychology
Review, 28, 315–352. https://doi.org/10.1007/s10648-015-9319-1
¬ نهاية المقالة - 66 -
د-م-ص-س-س - 01-07-2026